أبو عبد الله محمد بن علي القلعي

27

تهذيب الرياسة وترتيب السياسة

الهند تصل إلى اليمن عن طريق البحر وكان أهمّ ما تستورد اليمن من الهند السفن والبهارات والبضائع وذكر المقدسي أن اليمن يعدّ من أشهر بلاد المسلمين بالتجارة لموقعه الجغرافي ، وأن التجارة فيه مفيدة وأهم منتجاته هي العقيق والزعفران والأدم وإنه يصدر إلى عمان آلات الصيادلة والعطور والحديد والرصاص كما كان للثروة الحيوانية شأن وخاصة في مرباط ونواحيها في عهد المنجويين ولما جاء الحبوضيون وجهوا عنايتهم إلى الزراعة إلى جانب التجارة « 1 » . ولم يزل ملوك اليمن يعتمدون على عمال وصناع يستقدمونهم من مصر والشام ويجزلون عطاياهم ويحسنون إليهم غاية الإحسان ويمنحونهم ما يعوضهم عن ترك أوطانهم بما يوفر أسباب الرفاهية ورغد العيش ويستخدمونهم بما يناسب كلا منهم . وصاحب المملكة هناك يتفقد الصناع والعمال والتجار في كل وقت بما يأخذ به قلوبهم ويوطنهم عنده حتى ذكر صاحب الابصار عن ملوك هذه المملكة انهم لم يزالوا مقصودين من آفاق الأرض وقلّ أن يبقى مجيد في صنعة من الصنائع إلا ويصنع لأحدهم شيئا على اسمه ويقصده به فيقبل عليه ويقبل منه ويحسن نزله ويسنى جائزته وإذا أراد المقام عنده أقام مكرما محترما فما قصدهم قاصد إلا وحصل له من البر والإيناس وتنويع الكرامة ما ينسيهم عن الأوطان ولشدة تعلقهم بالغريب لا يسمحون بعودته فإذا أراد الارتحال عن دارهم مكنوه من العودة كما جاءهم وخرج عنهم على أسوأ حال مسلوبا ما استفاد عندهم من نعمة عقابا له على مفارقته لأبوابهم أما من قدّم إليهم القول بأنه أتاهم راحلا لا مقيما وزائرا لا مستديما فإنهم لا يكلفونه المقام ولا يشقون عليه في العودة بل يجزلون إفادته ويجملون إعادته « 2 » .

--> ( 1 ) صبح الأعشى ، ج 5 ص 36 ؛ أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ، ص 97 ؛ تاريخ ثغر عدن ، ج 2 ص 195 . ( 2 ) صبح الأعشى ، ج 5 ص 36 .